ابن قيم الجوزية

37

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

يا أيها المتحلي غير شيمته * إن التخلق يأتي دونه الخلق فقبح التطبع شيمة المطبوع قالوا : وقد فرغ الله سبحانه من الخلق والخلق والرزق والأجل . وقالت طائفة أخرى : بل يمكن اكتساب الخلق كما يكتسب العقل والحلم والجود والسخاء والشجاعة والوجود شاهد بذلك قالوا : والمزاولات تعطي الملكات ومعنى هذا : أن من زاول شيئاً واعتاده وتمرن عليه صار ملكة له وسجيةً وطبيعةً قالوا : والعوائد تنقل الطبائع فلا يزال العبد يتكلف التصبر حتى يصير الصبر له سجية كما أنه لا يزال يتكلف الحلم والوقار والسكينة والثبات حتى تصير له أخلاقاً بمنزلة الطبائع قالوا : وقد جعل الله سبحانه في الإنسان قوة القبول والتعلم فنقل الطبائع عن مقتضياتها غير مستحيل غير أن هذا الانتقال قد يكون ضعيفاً فيعود العبد إلى طبعه بأدنى باعث وقد يكون قوياً ولكن لم ينقل الطبع فقد يعود إلى طبعه إذا قوي الباعث واشتد وقد يستحكم الانتقال بحيث يستحدث صاحبه طبعاً ثانياً فهذا لا يكاد يعود إلى طبعه الذي انتقل عنه . وأما الاصطبار فهو أبلغ من التصبر فإنه افتعال للصبر بمنزلة الاكتساب فالتصبر مبدأ الاصطبار كما أن التكسب مقدمة الاكتساب فلا يزال التصبر يتكرر حتى يصير اصطباراً . وأما المصابرة : فهي مقاومة الخصم في ميدان الصبر فإنها مفاعلة تستدعي وقوعها بين اثنين كالمشاتمة والمضاربة قال الله تعالى : ( يا أيها الذين أمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) ( آل عمران : 2 ) فأمرهم بالصبر وهو حال الصابر في نفسه والمصابرة وهي حالة في الصبر مع خصمه ، والمرابطة وهي الثبات واللزوم والإقامة على الصبر والمصابرة ، فقد يصبر العبد ولا يصابر وقد يصابر ولا يرابط وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله التقوى وأن الفلاح موقوف عليها فقال : ( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر ففي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن مملكته .